للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الفريقين إلى الآخر، ﴿قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ووقف موسى ببني إسرائيل، البحرُ أمامهم، وفرعون وراءهم، فعند ذلك أوحى الله إليه: أن اضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا، فضرب البحر بعصاه، وقال: انفلق بإذن الله! ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ أي: الجبل العظيم. وأرسل الله الريح، على أرض [١] البحر فلفحته [٢] حتَّى صار يبسًا كوجه الأرض، ولهذا قال: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ أي: من فرعون، ﴿وَلَا تَخْشَى﴾، يعني: من البحر أن يغرق قومك.

ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ﴾، أي: البحر ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ أي: الذي هو معروف ومشمهور، وهذا يقال عند الأمر المعروف المشهور، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ وكما قال الشاعر:

أنا أَبو النجم وشعري شعري

أي الذي يعرف وهو مشهور، وكما تقدمهم فرعون فسلك بهم في اليم، فأضلهم وما هداهم إلى سبيل الرشاد، كذلك: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْورْدُ الْمَوْرُودُ﴾.

﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَينَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)

يذكر تعالى نعمه على بني إسرائيل العظام، ومننه الجسام، حيث نجاهم من عدوهم فرعون، وأقر أعينهم منه، وهم ينظرون إليه والى جنده قد غرقوا في صبيحة واحدة، لم ينج منهم أحد، كما قال: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.

وقال البخاري (٦٦): حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا روح بن عبادة، حدَّثنا شعبة،


(٦٦) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا … ﴾ حديث (٤٧٣٧)، (٨/ ٤٣٤).