فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصا ويده ما قص الله عليك في القرآن، فشكا إلى الله تعالى ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون، يكون له ردءًا، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه الله سؤله، وحل عقدة من لسانه، وأوحي الله إلي هارون وأمره أن يلقاه، فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون ﵉ فانطلقا جميعًا إلي فرعون، فأقاما علي بابه حينًا لا يؤذن لهما ثم أذِن لهما بعد حجاب شديد، فقالا: ﴿إنا رسولا ربك﴾ قال: فمن ربكما؟ فأخبره بالذي قص الله عليك في القرآن، قال: فما تريدان؟ وذكره القتيل، فاعتذر بما قد سمعت.
قال: أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل. فأبى عليه وقال: ائت بآية إن كنت من الصادقين. فألقي عصاه [فإذا هي][١] حية تسعي عظيمة، فاغرة فاها مسرعة إلي فرعون، فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها، فاقتحم عن سريره، واستغاث بموسي أن يكفها عنه، ففعل، ثم أخرج يده من جيبه فرآها ﴿بيضاء من غير سوء﴾ -يعني: من غير برص- ثم ردها فعادت إلي لونها الأول، فاستشار الملأ حوله فيما رأي، فقالوا له: هذان ساحران ﴿يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣)﴾ يعني: ملكهم الذي هم فيه والعيش، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئًا مما طلب، وقالوا له: اجمع لهما السحرة فإنهم بأرضك كثير؛ حتى تغلب بسحرك سحرهما.
فأرسل إلى المدائن، فحشر [٢] له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون قالوا: بم يعمل هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيات [٣]. قالوا: فلا والله ما أحد في الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل، وما أجرنا أن نحن غلبنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم. فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى.
قال سعيد بن جبير: فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة الذي أظهر الله فيه موسى علي فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء.
فلما اجتمعوا في صعيد قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الأمر ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ يعنون موسى وهارون استهزاء بهما؛ فقالوا:
[١]- سقط من ز. [٢]- في ز: "يحشر". [٣]- في ز: "الحيات".