للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

حسن ظنه بربه ﷿ فإنه قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ﴾ يعني بذلك: حابستين غَنَمهما، فقال لهما: ما خطبكما معتزلتين لا تسقبان مع الناس؟ قالتا: ليس لنا قوة نزاحم [١] القوم، وإنما ننتظر فضول حياضهم.

فسقى لهما، فجعل، يغترف في الدلو ماء كثيرًا، حتى كان أول الرعاء، فانصرفتا [٢] بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى ، فاستظل بشجرة، وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ﴾ واستنكر أبوهما سرعة صدورهما [٣] بغنمهما حُفَّلًا بطانًا، فقال: إن لكما اليوم لشأنًا. فأخبرتاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه [٤]، فأتت موسى فدعته، فلما كلمه قال: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان، ولسنا في مملكته.

فقالت إحداهما: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ﴾ فاحتملته الغيرة [٥] على أن قال لها: ما يدريك ما قوته وما أمانته؟ قالت: أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين [٦] سقي لنا، لم أر رجلًا قط أقوي في ذلك السقي منه، وأما الأمانة فإنه نظر إلى حين أقبلت إليه، وشخصت له فلما [٧] علم اني امرأة؛ صوب رأسه، فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك [٨]، ثم قال لي: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق. فلم يفعل هذا إلا وهو أمين. فسُرَي عن أبيها وصدقها، وظن به الذي قالت.

فقال له: هل لك ﴿أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ففعل، فكانت على نبي الله موسى ثمان سنين واجبة، وكانت سنتان عدة منه، فقضي الله عنه عدته فأتمها عشرًا.

قال سعيد -وهو ابن جبير-: فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم قال: هل تدري أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا. وأنا يومئذ لا أدري، فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له، فقال: أما علمت أن ثمانيًا كانت على نبي الله واجبة، لم يكن لنبي الله أن ينقص منها شيئًا، ويعلم أن الله كان قاضيًا عن موسى عدته التي وعده، فإنه قضي عشر سنين. فلقيت النصراني فأخبرته ذلك، فقال: الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك.


[١]- في ز: "تزاحم".
[٢]- في ز: "وانصرفتا".
[٣]- في ز: "صدرها".
[٤]- في ز: "يدعوه".
[٥]- في ز: "العزة".
[٦]- في ز: "حتى".
[٧]- في ز: "مهما".
[٨]- في ز: "وسألتك".