للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يا موسى -لقدرتهم [١]- بسحرهم- ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَال بل أَلْقُوا﴾ ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ فرأي موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة، فأوحي الله إليه أن ألق عصاك، فلما ألقاها صارت ثعبانًا عظيمة فاغرة فاها، فجعلت العصا [٢] تلتبس بالحبال حتى صارت جرزًا [٣] إلي الثعبان تدخل فيه حتى ما أبقت عصا ولا حبلًا [٤] إلا ابتلعته.

فلما عرفت السحرة ذلك قالوا: لو كان هذا سحرًا لم يبلغ من سحرنا كل هذا، ولكنه أمر من الله ﷿ آمنا بالله وبما جاء به موسى، ونتوب إلي الله مما كنا عليه. فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، وظهر الحق، وبطل ما كانوا يعملون ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩)﴾ وامرأة فرعون بارزة مُتَبَذِّلة تدعو الله بالنصر لموسي علي فرعون وأشياعه، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة علي فرعون وأشياعه وإنما كان حزنها وهمها لموسي.

فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة، كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف مرعده، وقال: هل يستطيع ربك أن يصنع غير [٥] هذا؟ فأرسل الله على قومه الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفها عنه، ويواثقه على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كف ذلك عنه أخلف موعده ونكث عهده.

حتى أمر الله موسى بالخروج بقومه، فخرج بهم ليلًا فلما أصبح فرعون ورأي أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين، فتبعه بجنود عظيمة كثيرة، وأوحي الله إلي البحر: إذا ضربك عبدي موسى بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة، حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التقى على من بقي بعد من فرعون وأشياعه، فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا، وانتهي إلي البحر [وله قصيف] [٦]، مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل [٧] فيصير عاصيًا لله.

فلما تراءي الجمعان وتقاربا ﴿قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. افعل ما أمرك به ربك، فإنه لم يكذب ولم تكذب. قال: وعدني أن إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة


[١]- سقط من ز.
[٢]- في ت: "العصي".
[٣]- في ت: "جزرًا".
[٤]- في ت: "حبالًا".
[٥]- سقط من ز.
[٦]- في ز: "يصيف". والقصيف: صوت هائل يشبه صوت الرعد. النهاية [٤/ ٧٤].
[٧]- في ز: "عاقل".