للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولما ذكر تعالى أنه خلفه عبدًا نبيًّا، نزّه نفسه المقدسة وقال [١]: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ أي: عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون [٢] المعتدون علوا كبيرًا ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: إذا أراد شيئًا فإنما يأمر به فيصير كما يشاء، كما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: ومما أمر به عيسى قومه وهو [٣] في مهده [٤]، أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربه وربهم، وأمرهم بعبادته، فقال: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم، أي: قويم، من اتبعه رشد وهدي، ومن خالفه ضل وغوى.

وقوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ﴾ أي: اختلفت [٥] أقوال أهل الكتاب في عيسى، بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبده ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فصممت طائفة [] [٦]-وهم جمهور اليهود عليهم لعائن الله! - على أنه ولد زنية، وقالوا: كلامه هذا سحر. وقالت طائفة أخرى: إنما تكلم الله. وقال آخرون: هو ابن الله، وقال آخرون: ثالث ثلاثة. وقال آخرون: بل هو عبد الله ورسوله. وهذا هو [٧] قول الحق، الذي أرشد الله إليه المؤمنين، وقد روي [نحو هذا] عن عمرو بن ميمون، وابن جريج، وقتادة (١٣٣)، وغير واحد من السلف والخلف.

قال عبد الرزاق (١٣٤): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قال: اجتمع بنو إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم [٨] عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء -وهم اليعقوبيّة- فقال الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه. قال: هو ابن الله -وهم النسطورية- فقال الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه. قال: هو ثالث ثلاثة؛ الله إله،


(١٣٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ٨٦)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٨) بنحوه، وعزاه إلى عبد الرزاق وابن أبي حاتم.
(١٣٤) - أخرجه عبد الرزاق كما في الدر المنثور (٤/ ٤٨٨).