للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ما لم أره منها قط. قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيتها الليلة [١]، سُجَّدًا [٢] نحو هذا الوادي. قال عبد الله بن زياد: وأحفظ عن سيار أنه قال: رأيت نورًا ساطعًا. فتوجهوا حيث قال لهم، فاستقبلتهم مريم، فلما رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها، فجاءوا حتى قاموا عليها وقالوا: ﴿يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا﴾ أمرًا عظيمًا ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ أي: [يا] [٣] شبيهة هارون في العبادة ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ أي: أنت من بيت طيب طاهر، معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟.

قال علي بن أبي طلحة والسدي (١١٤): قيل لها: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ أي: أخي موسى، وكانت من قبيلته [٤]، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر.

وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تتأسى [٥]، به في الزهادة والعبادة.

وحكى ابن جرير (١١٥) عن بعضهم أنهم شبهوها برجل فاجرٍ كان فيهم، يقال له هارون. ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير (١١٦)

وأغرب من هذا كله؛ ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين الهسمنْجَاني [٦]، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا المفضل [٧] بن فضالة، حدثنا أبو صخر، عن القرظي في قول الله ﷿: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ قال: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

وهذا القول خطأ محض؛ فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل، فدل على أنه آخر الأنبياء بعثًا، وليس بعده إلا محمد، صلوات الله وسلامه عليهما [٨]، ولهذا ثبت في [الصحيح عند] [٩] البخاري عن أبي هريرة (١١٧) عن


(١١٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٨).
(١١٥) - ذكره الطبري (١٦/ ٧٨).
(١١٦) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٦) وعزاه إلى ابن أبي حاتم.
(١١٧) - أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب: قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ حديث (٣٤٤٢) (٦/ ٤٧٧) وطرفه في (٣٤٤٣).