وقوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ أي: مهما رأيت من أحد ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لأن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.
قال أنس بن مالك (١٠١) في قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي [١]: صمتًا. وكذا قال ابن عباس (١٠٢) والضحاك (١٠٣)، وفي رواية عن أنس (١٠٤): صومًا وصمتًا، وكذا قال قتادة وغيرهما. والمراد: أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام، نص على ذلك السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد (١٠٥).
قال [أبو إسحاق][٢]، عن حارثة [٣] قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف ألا يكلم الناس اليوم. فقال عبد الله بن مسعود: كلم الناس وَسلِّم عليهم، فإنما تلك امرأة علمت أن أحدًا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج -يعني لذلك: مريم ﵍ ليكون عذرًا لها إذا سئلت. رواه ابن أبي حاتم (١٠٦) وابن جرير (١٠٧) رحمهما الله.
وقال عبد الرحمن بن زيد (١٠٨): لما قال عيسى لمريم: ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج ولا مملوكة، أي شيء عذري عند الناس؟ ﴿يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ قال: هذا كله من كلام عيسى لأمه. وكذا قال وهب (١٠٩).
(١٠١) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٤)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٥) وعزاه إلى الفريابي وعبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه. (١٠٢) - أخرجه الطبري (٧٤/ ١٦)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٥) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن الأنباري. (١٠٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٤). (١٠٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٤). (١٠٥) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٥) وعزاه إلى ابن أبي حاتم. (١٠٦) - أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٤/ ٤٨٥). (١٠٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٥). (١٠٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٥). (١٠٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٥) بنحوه.