ففي هذا دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولًا، ثم خلق السموات سبعًا، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك، وقد صرح المفسرون بذلك، كما سنذكره بعد هذا أن شاء الله. فأما قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ فقد قيل: إن "ثم" هاهنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر لا لعطف الفعل على الفعل، كما قال الشاعر:
قل لمن ساد ثم ساد أبوه … ثم [١] قد ساد قبل [٢] ذلك جده
وقيل: إن الدحيَ كان بعد خلق [٣] السموات.
رواه علي [٤] بن أبي طلحة عن ابن عباس (٢١٨).
وقد قال السدي في تفسيره (٢١٩)، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ قال: أن الله ﵎ كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق الماء فسما عليه، فسماه سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والإثنين، فخلق الأرض على حوت، والحوتُ هو [النون][٥] الذي ذكره الله في القرآن ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض فأرسى عليها
(٢١٨) - رواه ابن جرير برقم (٥٩٤)، وعلي لم يسمع من ابن عباس كما تقدم. (٢١٩) - رواه ابن جرير (٥٩١)، والبيهقي في الأسماء (٢/ ١١٨ - ١١٩)، وابن أبي حاتم (٣٠٧).