يخبر تعالى عن شأن المشركين يوم معادهم في الدار الآخرة، وأنه يبعث من كل أمّه شهيدًا، وهو نبيها يشهد عليها [١] بما أجابته فيما بلغها عن الله تعالى ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: في الاعتذار؛ لأنهم يعلمون بطلانه وكذبه، كقوله [٢]: [﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾] [٣] فلهذا [٤] قال [٥]: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: الذين [٦] أشركوا ﴿الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: لا [٧] يؤخر عنهم، بل يأخذهم سريعًا من الموقف بلا حساب، فإنه إذا جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فيشرف [٨] عنق منها على الخلائق، وتزفر [٩] زفرة لا يبقي أحد إلا جثا لركبتيه، فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد الذي جعل مع الله إلها آخر، [وبكذا وبكذا][١٠](٣٧)، وتذكر أصنافًا من الناس كما جاء في الحديث، ثم تنطوي عليهم وتتلقطهم من الموقف، كما يلتقط الطائر الحب، قال الله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
ثم أخبر تعالى عن تبرؤ آلهتهم منهم أحوج ما يكونون إليها، فقال: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ أي: الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا
(٣٧) - أخرجه مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في شدة حر نار جنهم، وبعد قعرها وما تأخذ من المعذبين، حديث (٢٩/ ٢٨٤٢) (١٧/ ٢٦١) عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - صلى الله علحِه وسلم -: "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها".