للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

العين، وهكذا قال ها هنا: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾، كما قال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. ثم ذكر تعالى منته على عباده: في إخراجه إياهم من بطون أمهاته لا يعلمون شيئًا؛ ثم بعد هذا يرزقهم تعالى السمع الذي به يدركون الأصوات، والأبصار [التي بها يحسون] [١] المرئيات، والأفئدة: وهي العقول التي مركزها القلب على الصحيح، وقيل: الدماغ، والعقل به يميز لكن الأشياء ضارها ونافعها، وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج قليلًا قليلًا، كما كبر زيد في سمعه وبصره وعقله [٢]، حتى يبلغ أشَده. وإنما جعل تعالى هذه في الإِنسان ليتمكن بها من عبادة ربه تعالى، فيستعين بكل جارحة وعضو وقوّة على طاعة مولاه، كما جاء في صحيح البخاري (٣٦) عن أبي هريرة، عن رسول الله أنه قال: "يقول الله [٣] تعالى: من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي [بشيء أفضل من] [٤] أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فهذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه [٥]، ولئن دعاني لأجيبنه [٦] ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه".

فمعنى الحديث: أن العبد إذا أخلص الطاعة صارت أفعاله كلها لله ﷿، فلا يسمع إلا لله، ولا يبصر إلا لله، أي: ما شرعه الله له، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله ﷿، مستعينًا بالله في ذلك كله؛ ولهذا جاء في رواية بعض الحديث في غير الصحيح بعد قوله: "ورجله التي يمشي بها فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي"؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [كقوله تعالى] في الآية الأخرى: ﴿قُلْ [٧] هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾.

ثم نبه تعالى عباده إلى النظر إلى الطير المسخر بين السماء والأرض، كيف جعله يطير بجناحين [٨] بين السماء والأرض في جو السماء، ما يمسكه هناك إلا الله بقدرته تعالى،


(٣٦) - أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب التواضع، حديث (٦٥٠٢) (١١/ ٣٤٠ - ٣٤١).