قال بعض من تكلم على الطب النبوي: لو قال: فيه الشفاء للناس، لكان دواء لكل داء، ولكن قال: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ أي يصلح لكل أحد من أدواء باردة فإنه حار، والشيء يداوى بضده.
وقال مجاهد بن جبر في قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ يعني: القرآن.
وهذا قول صحيح في نفسه، ولكن ليس هو الظاهر ها هنا من سياق الآية، فإن الآية إنما ذكر فيها العسل، ولم يتابع مجاهد على قوله ها هنا، وإنما الذي قاله ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، والدليل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ هو العسل؛ الحديث الذي رواه البخاري ومسلم (٢٢) في صحيحيهما من رواية قتادة، عن أبي المتوكل علي بن داود الناجي، عن أبي سعيد الخدري ﵁: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: إن أخي استطلق بطنه. فقال:"اسقه عسلًا" فذهب [١] فسقاه عسلًا ثم جاء، فقال: يا رسول الله، سقيته عسلًا فما زاده إلا استطلاقًا. قال:"اذهب فاسقه عسلًا" فذهب فسقاه [٢] عسلًا [٣] ثم جاء، فقال: يا رسول الله، ما زاده إلا استطلاقًا. فقال رسول الله ﷺ:"صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلًا". فذهب فسقاه عسلًا [٤] فبرأ.
قال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل عنده فضلات، فلما سقاه عسلًا وهو حار تحللت، فأسرعت في الاندفاع [فزاده إسهالًا][٥]، فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره وهو مصلحة لأخيه ثم سقاه فازداد التحليل والدفع، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن استمسك بطنه، وصلح مزاجه، واندفعت الأسقام والآلام، ببركة إشارته عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام.
وفي الصحيحين (٢٣): من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله
(٢٢) - أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب: الدواء بالعسل، وقول الله ﷿: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، حديث (٥٦٨٤) (٩/ ١٣٩) وطرفه في (٥٧١٦). ومسلم في كتاب السلام، باب: التداوي بسقي العسل، حديث (٩١/ ٢٢١٧) (١٤/ ٢٩٢ - ١٩٣). (٢٣) - أخرجه البخاري في كتاب الأشربة، باب: شراب الحلواء والعسل، حديث (٥٦١٤) =