إليها، ومن الشجر ومما يعرشون، ثم هي محكمة في غاية الإِتقان في تسديسها ورصها، بحيث لا يكون بينها خلل.
ثم أذن لها تعالى إذنًا قدريًّا تسخيريًّا أن [١] تأكل من كل الثمرات، وأن تسلك الطرق التي جعلها الله تعالى مذللة لها، أي: سهلة عليها حيث شاءت في هذا الجو العظيم، والبراري الشاسعة، والأودية والجبال الشاهقة، ثم تعود كل واحدة منها [٢] إلى [موضعها و][٣] بيتها، لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة، بل إلى بيتها وما لها فيه من فراخ وعسل، فتبني الشمع من أجنحتها، وتقيء العسل من فيها، وتبيض الفراخ من دبرها، ثم تصبح إلى مراعيها.
وقال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ أي: مطيعة. فجعلاه حالًا [٤] من السالكة، قال ابن زيد: وهو كقول الله تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ قال: ألا ترى أنهم [٥] ينقلون النحل ببيوته [٦] من بلد إلى بلد وهو يصحبهم؟.
والقول الأول [هو الأظهر][٧]، وهو أنه حال من الطريق، أي: فاسلكيها مذللة لك، نص عليه مجاهد، وقال ابن جرير: كلا القولين صحيح.
وقد قال أبو يعلى الموصلي (٢١): حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا سُكين [٨] بن عبد العزيز، عن أبيه، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "عمر الذباب أربعون يومًا، والذباب كله في النار إلا النحل".
وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ أي [٩]، ما بين أبيض وأصفر وأحمر، وغير ذلك من الألوان الحسنة، على اختلاف مراعيها ومأكلها منها.
وقوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ أي: في العسل شفاء للناس، من أدواء تعرض لهم.
(٢١) - أخرجه أبو يعلى (٧/ ٢٣٠، ٢٧١) حديث (٤٢٣١، ٤٢٩٠). قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٤٤): رواه أبو يعلى ورجاله ثقات.