بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي: كئيبًا من الهم ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ساكت من شدة ما هو فيه من الحزن ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ أي: يكره أن يراه الناس ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أي: إن أبقاها أبقاها مهانة لا يورثها ولا يعتني بها، ويفضل أولاده الذكور عليها ﴿أَمْ [١] يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أي: يئدها، وهو أن يدفنها فيه [٢] حية، كما كانوا يصنعون في الجاهلية، أفمن يكرهونه هذه الكراهة ويأنفون لأنفسهم عنه يجعلونه لله؟ ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: بش ما قالوا، وبئس ما قسموا، وبئس ما نسبوا إليه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾، ليقال ها هنا: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أي: النقص إنما ينسب إليهم ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي: الكمال المطلق من كل وجه، وهو منسوب إليه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
يخبر تعالى عن حلمه بخلقه مع ظلمهم، وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة، أي: لأهلك جميع دواب الأرض تبعًا لإهلاك بني آدم، ولكن الرب ﷻ يحلم ويستر، وينظر.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: لا يعاجلهم بالعقوبة، إذ لو فعل ذلك بهم لما أبقى أحدًا.
قال سفيان الثوري، عن أبي [٣] إسحاق، عن أبي الأحوص أنه قال: كاد الجعل أن يعذب بذنب بني آدم، وقرأ الآية: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيهَا [٤] مِنْ دَابَّةٍ﴾. وكذا روى الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: كاد الجعل أن يهلك في جحره بخطيئة بني آدم.
[١]- في ز: "أو". [٢]- سقط من: ز، خ. [٣]- سقط من خ. [٤]- في ز، خ: "على ظهرها".