للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

أخرجها الله لهم بدعاء صالح من صخرة صماء، فكانت [١] تسرح في بلادهم، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، فلما عتوا وعقروها قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيرُ مَكْذُوبٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾، وذكر تعالى أنهم: ﴿كَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ أي: من غير خوف ولا احتياج إليها، بل أشرًا وبطرًا وعبثًا، كما هو المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بوادي الحجر الذي مر به رسول الله وهو ذاهب إلى تبوك، فقنع رأسه وأسرع دابته، وقال لأصحابه: "لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا فتباكوا، خشية أن يصيبكم ما أصابهم" (٥٢).

وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ أي: وقت الصباح من اليوم الرابع ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: ما كانوا يستغلونه [٢] من زروعهم وثمارهم، التي ضنوا بمائها عن الناقة حتى عقروها؛ لئلا تضيق [٣] عليهم في المياه، فما دفعت عنهم تلك الأموال، ولا نفعتهم [٤] لما جاء أمر ربك.

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)

يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ أي: بالعدل ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ثم أخبر نبيه بقيام الساعة، وأنها كائنة لا محالة، ثم أمره [٥] بالصفح الجميل عن المشركين في أذاهم له، وتكذيبهم ما جاءهم به، كقوله [٦]: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ قال [٧] مجاهد وقتادة وغيرهما: كان هذا قبل القتال. وهو كما قالا، فإن هذه مكية والقتال إنما شرع بعد الهجرة.


(٥٢) - تقدم تخريجه [سورة الأعراف / آية ٧٣].