للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أطاعه واستقاد له، حتَّى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شر مسلم، وتبرأ منهم عند ذلك.

قلت: يعني بعادته لمن أطاعه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

وقال يونس بن بكير (١٨٣)، عن محمَّد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو [١] بن حزم، عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعد ما كف [٢] بصره يقول: لو كنت معكم الآن ببدر [٣]، ومعي بصري، لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارى.

فلما نزلت [٤] الملائكة، ورآها إبليس، وأوحى الله إليهم أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، وتثبيتهم أن الملائكة كانت تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه، فيقول له: أبشر فإنهم ليسوا بشيء، والله معكم، كروا [٥] عليهم، فلما رأى إبليس الملائكة ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ وهو في صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحضض [٦] أصحابه ويقول: لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم؛ فإنَّه كان على موعد من محمَّد وأصحابه. ثم قال: واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمدًا وأصحابه في الحبال؛ فلا تقتلوهم وخذوهم أخذًا. وهذا من أبي جهل - لعنه الله - يقول فرعون للسحرة لما أسلموا: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾. وكقوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهو من باب البهت والافتراء؛ ولهذا كان أبو جهل فرعون هذه الأمة.

وقال مالك بن أنس (١٨٤)، عن إبراهيم بن أبي عبلة [٧]، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله، ، قال: "ما رؤي [٨] إبليس يومًا [٩] هو فيه


(١٨٣) - انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٦٣٣).
(١٨٤) - الموطأ كتاب الحج (١/ ٤٢٢) حديث (٢٤٥).