فلما أبصر عدو الله الملائكة ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ فتشبث به الحارث بن هشام، وهو يرى أنَّه سراقة لما سمع من كلامه، فضرب في صدر الحارث، فسقط الحارث، وانطلق إبليس لا يرى حتَّى سقط في البحر، ورفع ثوبه، وقال: يارب موعدك الذي وعدتني.
وفي الطّبرانيّ (١٨٠) عن رفاعة بن رافع قريب من هذا [١] السياق، و [٢] أبسط منه ذكرناه في السيرة.
وقال محمَّد بن إسحاق (١٨١): حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزُّبير، قال: لما أجمعت [٣] قريش المسير [٤] ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من الحرب؛ فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال: أنا جار لكم أن تأتيكم كنانة بشئ تكرهونه؛ فخرجوا سراعًا.
قال محمَّد بن إسحاق (١٨٢): فذكر لي أنهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة ابن مالك، لا ينكرونه حتَّى إذا كان هم بدر، والتقى الجمعان، كان الذي رآه حين نكص الحارث بن هشام أو عمير بن وهب، فقال: أين [أي][٥] سراقة؟ ومثل [٦] عدو الله فذهب. قال: فأوردهم ثم أسلمهم، قال: ونظر عدو الله إلى جنود الله قد أيد الله بهم رسوله والمؤمنين ﴿نَكَصَ [٧] عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ وصدق عدو الله، وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وهكذا روي عن السدي، والضَّحَّاك، والحسن البصري، ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم ﵏.
وقال قتادة: وذكر لنا أنَّه رأى جبريل ﵇، تنزل معه الملائكة؛ فعلم عدو الله أنَّه لا يدان له بالملائكة؛ فقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ وكذب عدو الله.
والله ما به مخافة الله ولكن علم أنَّه لا قوة له، ولا منعة، وتلك عادة عدو الله لمن
(١٨٠) - المعجم الكبير (٥/ ٤٢) من طريق عبد العزيز بن عمران عن رفاعة بن يَحْيَى بن معاذ بن رفاعة عن رفاعة بن رافع، ﵁، وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٨٢): "وفيه عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف". (١٨١) - تفسير الطبري (١٤/ ٨) رقم (١٦١٨٥). (١٨٢) - السيرة النبوية (١/ ٦١٣) وتفسير ابن جرير (١٤/ ٨، ٩) رقم (١٦١٨٥، ١٦١٨٦).