سيد بني مدلج، كبير تلك الناحية، وكل ذلك منه كما قال تعالى عنه: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
قال ابن جريج [١]: قال ابن عباس في هذه الآية: لما كان يوم بدر سار إبليس [٢] برايته وجنوده مع المشركين، وألقى في قلوب المشركين أن أحدًا لن يغلبكم، وإني جار لكم، فلما التقوا، ونظر الشَّيطان إلى إمداد الملائكة ﴿وَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ قال: رجع مدبرًا، وقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ الآية.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر، في جند من الشياطين، معه رايته في صورة رجل من بني [٣] مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك ابن جعشم، فقال الشَّيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من النَّاس، وإني جار لكم، فلما اصطف النَّاس أخذ رسول الله، ﷺ، قبضة من التُّراب، فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل ﵇ إلى إبليس، فلما رآه، وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع يده، ثم ولى مدبرًا هو [٤] وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة، أتزعم أنك لنا جار فقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وذلك حين رأى الملائكة.
وقال محمَّد بن إسحاق: حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أن إبليس خرج مع قريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فلما حضر القتال ورأى الملائكة ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ فتشبث به الحارث بن هشام، فنخر [٥] في وجهه فخر صعقًا، فقيل له: ويلك يا سراقة، على هذه الحال تخذلنا وتبرأ منا، فقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
وقال محمَّد بن عمر الواقدي (١٧٩): أخبرني عمر بن عقبة، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: لما تواقف النَّاس أغمي على رسول الله، ﷺ، ساعة، ثم كشف عنه، فبشر الناس بجبريل في جند من الملائكة ميمنة النَّاس، وميكائيل في جند آخر ميسرة النَّاس، وإسرافيل في جند آخر ألف، وإبليس قد تصور في صورة سراقة ابن مالك بن جعشم المدلجي يدبر المشركين، ويخبرهم أنَّه لا غالب لهم اليوم من النَّاس،