يبين تعالى أنه خالق أفعال العباد، وأنه المحمود على جميع ما صدر عنهم من خير؛ لأنه هو الذي وفقهم لذلك، وأعانهم عليه [٢]، ولهذا قال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ أي: ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم، مع كثرة عددهم وقلة عددكم، أي [٣]: بل هو الذي أظفركم عليهم، كما قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾، يعلم ﵎ أن النصر ليس عن [٤] كثرة العدد، ولا بلبس اللأمة والعدد، وإنما النصر من [عند الله][٥] تعالى، كما قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
ثم قال تعالى لنبيه ﷺ أيضًا: في شأن القبضة من التراب، التي حصب بها وجوه المشركين [٦] يوم بدر، حين خرج من العريش، بعد دعائه وتضرعه واستكانته، فرماهم بها، وقال:"شاهت الوجوه"، ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها ففعلوا، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين، فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أي: هو الذي بلغ ذلك إليهم وكبتهم بها لا أنت.
قال على بن أبي طلحة (٦٥)، عن ابن عباس: رفع رسول الله، ﷺ، يديه - يعني يوم بدر - فقال:"يارب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا". فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب، فارم بها في وجوههم، [فأخذ قبضة من