وقد ذهب ذاهبون إلى أن الفرار إنما كان حرامًا على الصحابة؛ لأنه [يعني الجهاد][١] كان فرض عين عليهم، وقيل: على الأنصار خاصة؛ لأنهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره. وقيل: المراد بهذه الآية أهل بدر خاصة، يروى هذا عن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبى نضرة، ونافع مولى ابن عمر، وسعيد ابن جبير، والحسن البصري، وعكرمة، وقتادة، والضحاك وغيرهم.
وحجتهم في هذا: أنه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها سوى [٢] عصابتهم تلك، كما قال النبي ﷺ: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض (٦١). ولهذا قال عبد الله بن المبارك (٦٢)، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قال: ذلك يوم بدر، فأما اليوم فإن انحاز إلى فئة أو مصر - أحسبه قال: فلا بأس عليه.
وقال ابن المبارك أيضًا (٦٣)، عن ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: أوجب الله تعالى لمن فر يوم بدر النار، قال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، فلما كان يوم أحد بعد ذلك، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين، قال: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ * ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾.
وفي سنن أبي داود، والنسائي، ومستدرك الحاكم، وتفسير ابن جرير، وابن مردويه من حديث داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد (٦٤) أنه قال في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ إنما أنزلت في أهل بدر.
وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حرامًا على غير أهل بدر؛ وإن كان [٣]
(٦١) - رواه مسلم في الجهاد والسير، برقم (١٧٦٣)، والترمذي فى التفسير، سورة الأنفال برقم (٣٠٨١)، وأحمد برقم (٢٢١) من حديث عمر. (٦٢) - رواه الطبري (١٣/ ١٥٨٠٩). (٦٣) - رواه ابن جرير برقم (١٣/ ١٥٨١١). (٦٤) - رواه أبو داود في الجهاد، باب: التولي يوم الزحف، برقم (٢٦٤٨)، والنسائي في الكبرى برقم (١١٢٠٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٢٧)، وابن جرير (١٣/ ١٥٨٠٠).