وسلم. فقلت: إن الله يقول: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾. فقال: إنما نزلت هذه الآية في يوم بدر، لا قبلها ولا بعدها.
وقال الضحاك في قوله: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ المتحيز الفار إلى النبي وأصحابه، وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه.
فأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب؛ فإنه حرام وكبيرة من الكبائر، لما رواه البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال (٥٧): قال رسول الله ﷺ: "اجتنبوا السبع الموبقات" قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال:"الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
[ولهذا الحديث][١] شواهد من وجوه أخر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ بَاءَ﴾ أي: رجع ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ﴾ أي: مصيره ومنقلبه يوم ميعاده [][٢] ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
وقال الإمام أحمد (٥٨): حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، حدثنا جبلة بن سحيم، عن أبي المثنى العبدي، سمعت السدوسي - يعني ابن الخصاصية [٣]- وهو بشير بن معبد - قال: أتيت، النبي ﷺ، لأبايعه؛ فاشترط عليَّ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإِسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله. فقلت يا رسول الله، أما اثنتَان [٤] فوالله لا أطيقهما؛ الجهاد: فإنهم زعموا أنه [٥] من ولى الدبر، فقد جاء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت ذلك خشعت نفسي وكرهت الموت. والصدقة: فوالله مالي إلا غنيمة وعشر ذَوْد هن رَسَل أهلي
(٥٧) - صحيح البخاري في الوصايا برقم (٢٧٦٦)، وصحيح مسلم في الإيمان برقم (٨٩). (٥٨) - المسند برقم ٢٢٠٤٧ - (٥/ ٢٢٤). ورواه الطبراني في الكبير (٢/ ٤٤، ٤٥ رقم ١٢٣٣، ١٢٣٤)، وفي الأوسط كما في مجمع البحرين (١/ ٨٤ رقم ٤٠) من طرقي عن عبيد الله بن عمرو به. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٤٢) وقال: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، والأوسط، واللفظ للطبراني، ورجال أحمد موثقون.