وقال الربيع بن أنس: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم [١]، بضرب فوق الأعناق وعلى البنان، مثل سمة النار قد أحرق به.
وقوله: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ قال ابن جرير: معناه: واضربوا من عدوكم أيها المؤمنون كل طرف ومَفصل، من أطراف أيديهم وأرجلهم، والبنان: جمع بنانة، كما قال الشاعر (٥١):
ألا ليتني قطعْتُ مني بنانة … ولاقيته [٢] في البيت يقظان حاذرًا [٣]
وقال على بن أبي طلحة (٥٢)، عن ابن عباس: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ يعني بالبنان الأطراف. وكذا قال الضحاك وابن جريج.
وقال السدي: البنان الأطراف، ويقال: كل مفْصَل.
وقال عكرمة وعطية العوفي والضحاك في رواية أخرى: كل مفصل.
وقال الأوزاعي في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ قال: اضرب منه الوجه والعين، وارمه بشهاب من نار، فإذا أخذته حرم ذلك كله عليك.
وقال العوفي، عن ابن عباس، فذكر قصة بدر إلى أن قال: فقال أبو جهل: لا تقتلوهم قتلًا، ولكن خذوهم أخذًا، حتى تعرفوهم الذي صنعوا من طعنهم [٤] في دينكم، ورغبتهم عن اللات والعزم. فأوحى الله إلى الملائكة: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾، فقتل أبو جهل (لعنه الله) في تسعة وستين رجلًا، وأسر عقبة بن أبي معيط فقتل صبرًا، فوفى ذلك سبعين، يعني: قتيلًا.
ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: خالفوهما فساروا في شق، وتركوا الشرع والإيمان به واتباعه في شق، وهو مأخوذ أيضًا من شق العصا، وهو جعلها فرقتين، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: هو الطالب الغالب لمن خالفه وناوأه، لا يفوته شيء، ولا يقوم لغضبه شيء، ﵎ لا إله
(٥١) هو العباس بن مرداس السلمي، والبيت في تفسير ابن جرير (١٣/ ٤٣١)، ولسان العرب مادة (بنن). (٥٢) - رواه ابن جرير (١٣/ ١٥٧٩٢).