وبصرهم وبطشهم؛ ولهذا قال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي: أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئًا، ولا يستطيع ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ [١] مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أخبر تعالى [أن آلهتهم لو اجتمعوا كلهم][٢] ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو سلبتهم [٣] الذبابة شيئًا من حقير المطاعم وطارت لما استطاعوا [استنقاذ ذلك][٤] منها، فمن هذه صفته وحاله كيف يعبد ليرزق ويستنصر؟ ولهذا قال تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي: بل هم مخلوقون مصنوعون كما قال الخليل: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ [وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ][٥]﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ أي: لعابديهم، ﴿وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ يعني: ولا لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء، كما كان الخليل ﵊ يكسر أصنام قومه، ويهينها غاية الإِهانة، كما أخبر تعالى عنه في قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ وكما كان معاذ ابن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل ﵄ وكانا شابين قد أسلما، لما قدم رسول الله، ﷺ، المدينة فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين، يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبًا للأرامل؛ ليعتبر قومهما بذلك، ويرتَئوا لأنفسهم. فكان لعمرو بن الجموح - وكان سيدًا في قومه -[كان له][٦] صنم يعبده ويطبه، فكانا يجيئان في الليل، فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة، فيجيء عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفًا ويقول له: انتصر. ثم يعودان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضًا، حتى أخذاه مرة، [فقرنا معه جرو][٧] كلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك، نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل، وقال:
تالله لو كنت إلها مستدن … لم تَكُ والكلبُ جميعًا في قرن (٣٠٠)[٨]
(٣٠٠) - أخرج هذه القصة ابن إسحاق في "المغازي" - كما في سيرة ابن هشام =