وفي الصحيحين (٢٧٠)، عن معاوية بن أبى سفيان قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى تقوم الساعة". وفي رواية:"حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك". وفي رواية:"وهم بالشام".
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ومعناه: أنه يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا، حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: وسأملي لهم، أي: أطول لهم ما هم فيه ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: قوي شديد.
يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ هؤلاء المكذبون بآياتنا ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ﴾ يعني: محمدًا ﷺ ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ أي: ليس به جنون، بل هو رسول الله حقًّا، ودعا إلى حق ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: ظاهر لمن كان له لب وقلب يعقل به ويعي به؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾، يقول: إنما أطلب منكم أن تقوموا لله قيامًا خالصًا [][١]، ليس فيه تعصب ولا عناد، ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ أي: مجتمعين ومتفرقين، ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ فى هذا الذي جاءكم بالرسالة من الله: أبه [٢] جنون أم لا؟ فإنكم إذا فعلتم ذلك بأن لكم وظهر أنه رسول الله حقًّا وصدقًا.
(٢٧٠) - أخرجه البخاري، كتاب: المناقب، باب: (رقم ٢٨) (ح ٣٦٤١)، ومسلم، كتاب: الإمارة، باب: قوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين … " (١٧٤، ١٧٥) (١٠٣٧) مغايرًا في بعض الأحرف لسياق المصنف وقوله "وهم بالشام" عند البخاري فقط، من كلام معاذ بن جبل، وانظر "الصحيحة" للألباني (١/ ٢٧٥) (٤/ ١٩٥٥، ١٠٦٢).