وقال السدي: قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ قال: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيًا إلَّا ارتشى في الحكم، وإن خيارهم اجتمعوا [١]، فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا يفعلوا ولا يرتشوا [٢]. فجعل الرجل منهم إذا استُقضي ارتشى، فيقال له: ما شأنك ترتشي في الحكم؟ فيقول: سيغفر [٣] لي، فيمن عليه البقية الآخرون من بني إسرائيل فيما صنع، فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يمن عليه فيرتشي، يقول: وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾، يقول تعالى منكرًا عليهم في صنيعهم هذا، مع ما أخذ عليهم من الميثاق ليبينن الحق للناس ولا يكتمونه، كقوله [٤]: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾.
وقال ابن جريج: قال ابن عبَّاس ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ قال: فيما يوجبون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون فيها ولا يتوبون منها.
وقوله تعالى: ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [٥]﴾، يرغبهم تعالى في جزيل ثوابه، ويحذرهم من وبيل عقابه، أي: وثوابي و [][٦] ما عندي خير لمن اتقى المحارم، وترك هوى نفسه، وأقبل على طاعة ربه.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [٧] يقول أفليس لهؤلاء الذين اعتاضوا بِعَرَض الدنيا عما عندي، عقل يردعهم عما هم [٨] فيه من السفه والتبذير، ثم أثنى تعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى اتباع رسوله محمد ﷺ، كما هو مكتوب فيه، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ أي: اعتصموا به، واقتدوا بأوامره، وتركوا زواجره ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
[١]- في ز: "أجمعوا". [٢]- في ز: "يرتشي". [٣]- في ز: "فيغفر". [٤]- سقط من: ز. [٥]- في ز: "يعقلون". [٦]- ما بين المعكوفتين في ز: خير. [٧]- في ز: "يعقلون". [٨]- زيادة من: ز.