للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠).

يذكر تعالى أنَّه فرقهم في الأرض أممًا، أي: طوائف وفِرَقًا، كما قال: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾.

﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: فيهم الصالح وغير ذلك، كما قالت الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾، ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ﴾ أي: اختبرناهم ﴿بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ أي: بالرخاء والشدة، والرغبة والرهبة، والعافية والبلاء، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

ثم قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾، يقول تعالى ﴿فَخَلَفَ﴾ من بعد ذلك الجيل الذي [١] فيهم الصالح والطالح ﴿خَلْفٌ﴾ آخر لا خير فيهم، وقد ﴿وَرِثُوا﴾ دراسة ﴿الْكِتَابَ﴾ وهو التوراة - وقال مجاهد: هم النصارى - وقد يكون أعم من ذلك ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ أي: يعتاضون عن بذل الحق ونشره بعرض الحياة الدنيا، ويسوِّفون أنفسهم وَيِعدُونها بالتوبة، وكلما لاح لهم مثل الأول وقعوا فيه؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾، كما قال سعيد بن جبير: يعملون بالذنب [٢] ثم يستغفرون الله منه، فإن عرض ذلك الذنب أخذوه.

وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ قال: لا يشرف لهم شيء من الدنيا إلَّا أخذوه، حلالًا كان أو حرامًا، ويتمنون المغفرة ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ [يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ] [٣]﴾.

وقال قَتَادة في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾: إي والله، لخلف سوء ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ بعد أنبيائهم ورسلهم، ورثهم الله وعَهِد إليهم، وقال الله تعالى في آية [٤] أخرى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾. قال: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ تمنوا على الله أماني وغرة يغترون بها ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾، لا [٥] يشغلهم شيء عني شيء، ولا ينهاهم شيء عن ذلك، كلما هف لهم شيء من الدنيا أكلوه، ولا يبالون [٦] حلالًا كان أو حرامًا.


[١]- في خ: "الذين".
[٢]- في ت: "الذنب".
[٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "يجدوا عرضًا مثله يأخذونه".
[٤]- سقط من: ز.
[٥]- سقط من: ز.
[٦]- في خ: "ولا يسألون".