وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ أخبرهم أنه رسول الله إليهم، ثم أمرهم باتباعه والإيمان به ﴿النبي الأمي﴾ أي: الذي وُعِدتم به وبشرتم به في الكتب المتقدمة، فإنه منعوت بذلك في كتبهم؛ ولهذا قال: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ أي: يصدق قوله عمله، وهو يؤمن بما أنزل إليه من ربه ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ أي: اسلكوا طريقه واقتفوا أثره ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى الصراط المستقيم.
يقول تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل إن منهم طائفة يتبعون الحق ويعدلون به، كما قال تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا] [١] وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾.
وقد ذكر ابن جرير في تفسيرها خبرًا عجيبًا فقال (٢٢٣): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطًا، تبرأ سبط منهم مما صنعوا، واعتذروا، وسألوا الله ﷿ أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقًا في الأرض، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مسلمون [٢] يستقبلون قبلتنا. قال ابن جربج: قال ابن عباس: فذلك قوله: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ و ﴿وعد الآخرة﴾ عيسى بن مريم - قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السرب سنة ونصفًا.
(٢٢٣) - " التفسير" لابن جرير (١٣/ ١٥٢٥١) وزاد نسبته السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٢٥٠) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.