والكلام في قوله ﵇:"لا تخيروني على موسى" كالكلام على قوله: "لا تفضلوني على الأنبياء، ولا على يونس بن متى"(١٨٥)، قيل: من باب التواضع، وقيل: قبل أن يعلم بذلك، وقيل: نهى أن يفضل بينهم على وجه الغضبية والتعصب، وقيل: على وجه القول بمجرد الرأي والتشهي، والله أعلم.
وقوله:"فإن الناس يصعقون يوم القيامة"، الظاهر: أن هذا الصعق يكون في عَرَصَات القيامة، يحصل أمر يصعقون منه، والله أعلم به، وقد يكون ذلك إذا جاء الرب ﵎ لفصل القضاء، وتجلى للخلائق الملك الديان، كما صُعق موسى من تجلي الرب ﵎؛ ولهذا قال ﵇:"فلا أدري: أفاق قبلي أم جُوزي بصعقة الطور".
وقد روى القاضي عياض في أوائل كتابه (الشفاء) بسنده (١٨٦): عن محمد بن محمد بن مرزوق، [حدثنا قتادة][١]، حدثنا الحسن، عن قتادة، عن يحيى بن وَثَّاب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:"لما تجلى الله لموسى ﵇ كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ". ثم قال: ولا يبعد على هذا أن يختص
(١٨٥) - أخرجه البخاري، كتاب: الأنبياء، باب: قول الله تعالى ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣٤١٤)، ومسلم، كتاب: الفضائل، كتاب: من فضائل موسى ﷺ (١٥٩) (٢٣٧٣) والنسائي في "التفسير" من "الكبرى" (٦/ ١١٤٦١) من طريق عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي هريرة به مطولًا. (١٨٦) - إسناده ضعيف كتاب "الشفاء" للقاضي عياض (ص ٦٨، ٦٩) بسنده عن "محمد بن مرزوق ثنا همام - كذا وهو محرف، وكذا تحرف عند المصنف هنا ويأتي ذكر الصواب - ثنا الحسن به بهذا الإسناد" وقال العلامة الشمني في ذيله على كتاب "الشفا": "قوله (حدثنا همام) كذا في كثير من النسخ وصوابه هانئ وهو هانئ بن يحيى السلمي، أخذ عن الحسن بن أبي جعفر الجعفري أحد الضعفاء، قال الطبراني - لم أهتد إليه في معاجمه الثلاثة -: لم يروه عن قتادة إلا الحسن بن أبي جعفر تفرد به هانئ ابن يحيى" وهو "يخطئ" - قاله ابن حبان في "الثقات" (٩/ ٢٤٧) - وشيخه "ضعيف" الحديث مع عبادته وفضله" وهو مترجم له في "التهذيب" والراوى عن هانئ، صدوق له أوهام وهو من رجال "التهذيب" أيضًا، ومن هذا تعلم أن قول ابن كثير "لا يخلو رجال إسناده من مجاهيل لا يعرفون" غير مضبوط إذ رجاله مترجم لهم ومعروفون ولكن تحرف الإسناد عند ابن كثير ولهذا لم يعرف بعضهم وبالله التوفيق. والحديث اكتفى السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٢٢٢) بعزوه إلى أبي الشيخ.