للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)

يقول تعالى: فأنجينا لوطًا وأهله، ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط، كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، إلا امرأته فإنها لم تؤمن به، بل كانت على دين قومها تمالئهم عليه، وتعلمهم بمن يَقْدم عليه من ضيفانه باشارات بينها وبينهم، ولهذا لما أمر لوط أن يسري بأهله أمر أن لا يعلم امرأته ولا يخرجها من البلد، ومنهم من يقول: بل اتبعتهم، فلما جاء العذاب التفتت هي فأصابها ما أصابهم. والأظهر: أنها لم تخرج من البلد، ولا أعلمها لوط، بل بقيت معهم؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: الباقين، ومنهم من فسر ذلك (من الغابرين): الهالكين، وهو تفسير باللازم.

وقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ مفسر [١] بقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾؛ ولهذا قال ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: انظر يا محمد، كيف كانت [٢] عاقبة من تجهرم على معاصي الله ﷿ وكذب رسله.

وقد ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن اللائط يلقى من شاهق، ويتبع بالحجارة، كما فعل بقوم لوط، وذهب آخرون من العلماء إلى أنه يرجم، سواء كان محصنًا أو غير محصن، وهو أحد قولي الشافعي ، والحجة ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله : "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به (١٣٣) ".

وقال آخرون: هو كالزاني؛ فإن كان محصنًا رجم، وإن لم يكن محصنًا جلد مائة جلدة.


(١٣٣) - صحيح أخرجه أحمد (١/ ٣٠٠) وأبو داود، كتاب: الحدود، باب: فيمن عمل عمل قوم لوط (٤٤٦٢)، والترمذي، كتاب: الحدود، كتاب: ما جاء في حد اللوطي (١٤٥٦)، وابن ماجه، كتاب: الحدود، باب: من عمل عمل قوم لوط (٢٥٦١)، وانتقاه ابن الجارود "المنتقى" (٨٢٠) وغيرهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدَّراوردي وصححه الحاكم (٤/ ٣٥٥) - من طريق سليمان ابن بلال عن عمرو ابن أبي عمرو به - ووافقه الذهبي، وكذا صححه الألباني، فانظر - غير مأمور - "الإرواء" (٨/ ٢٣٥٠).