هذا تقريع من صالح ﵇ لقومه، لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه، وتمردهم على الله، وإبائهم عن قبول الحق، وإعراضهم عن الهدى إلى العمى، قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعًا وتوبيخًا، وهم يسمعون ذلك، كما ثبت في الصحيحين (١٣٠): أن رسول الله ﷺ لما ظهر على أهل بدر، أقام هناك ثلاثًا، ثم أمر براحلته فشدت بعد ثلاث من آخر الليل فركبها، ثم سار حتى وقف على القليب قليب بدر، فجعل يقول:"يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا". فقال له عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أقوام قد جيفوا. فقال:"والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون".
وفي السيرة (١٣١): أنه ﵇ قال لهم: "بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم! كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم".
وهكذا [١] صالح ﵇ قال لقومه: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي: فلم تنتفعوا بذلك؛ لأنكم لا تحبون الحق ولا تتبعون ناصحًا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾.
وقد ذكر بعض المفسرين: أن كل نبي هلكت أمته، كان يذهب فيقيم في الحرم: حرم مكة، والله أعلم.
(١٣٠) - تقدم تخريجه هنا برقم (٨٢). (١٣١) - إسناده معضل "السيرة" لابن هشام (٢/ ٤٦٧) قال ابن إسحاق - وذكره عنه الحافظ في "الفتح" (٧/ ٣٠٢) - وحدثني بعض أهل العلم: أن رسول الله ﷺ قال هذه المقالة بأصل القليب - فذكره هكذا معضلًا، وأخرج أحمد (٦/، ١٧) من طريق إبراهيم النخعي عن عائشة مرفوعًا "جزاكم الله شرًّا من قوم نبي، ما كان أسوأ الطرد وأشد التكذيب" ورجاله ثقات إلا أن إبراهيم النخعي لم يسمع من عائشة قاله غير واحد، انظر "جامع التحصيل" للعلائي (ص ١٤١، ١٤٢).