وقال يزيد الرقاشي: إنما سمي نوحًا [١]؛ لكثرة ما ناح على نفسه.
وقد كان بين آدم إلى زمان نوح ﵉ عشرة قرون، كلهم على الإِسلام.
قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير: وكان أول ما عبدت الأصنام؛ أن قومًا صالحين ماتوا، فبنى قومهم عليهم مساجد، [وصورا صور][٢] أولئك فيها؛ ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم، فلما طال الزمان جعلوا تلك الصور أجسادًا على تلك الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام، وسموها بأسماء أولئك [٣] الصالحين: [ودًّا وسواعًا][٤] ويغوث ويعوق ونسرًا، فلما تفاقم الأمر بعث الله ﷾ وله الحمد والمنة - رسوله نوحًا، يأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: من عذاب يوم القيامة، إذا لقيتم الله وأنتم مشركون به. ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام، التي وجدنا آباءنا عليها، وهكذا حال الفجار، إنما يرون الأبرار في ضلالة، كقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: ما أنا ضال [٥]، ولكن أنا رسول من [رب العالمين][٦]، رب كل شيء ومليكه، ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا شأن الرسول أن يكون بليغًا فصيحًا ناصحًا عالما [٧] بالله، لا يدركهم أحد من خلق الله في هذه الصفات، كما جاء في صحيح مسلم (١٢٠): أن رسول الله، ﷺ، قال لأصحابه يوم عرفة وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعًا:"أيها الناس، إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد [٨] بلغت وأديت ونصحت [٩]، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء، وينكتها عليهم، ويقول:"اللَّهم اشهد! اللَّهم اشهدا".
(١٢٠) - صحيح مسلم كتاب: الحج، باب: حجة النبي ﷺ (١٤٧) (١٢١٨) من حديث جابر بن عبد الله، وتقدم ذكره في [سورة المائدة/ آية ٦٧].