﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بما عندهم من البشارات بك من الأنبياء المتقدمين ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾ وهذا شرط، والشرط لا يقتضي وقوعه، ولهذا جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال:"لا أشك ولا أسأل"(٢٠٩).
وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَة [١] رَبِكَ صِدِقًا وَعَدْلًا" قال قتادة: صدقًا فيما قال، وعدلًا فيما حكم.
يقول: صدقًا في الإخبار، وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه [٢] ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهي عنه فباطل، فإنه لا ينهي إلا عن مفسدة، كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ][٣]﴾.
﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: ليس أحد يعقب حكمه تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة ﴿وهو السميع﴾ لأقوال عباده ﴿العليم﴾ بحركاتهم وسكناتهم الذي يجازي كل عامل بعمله.
يخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض من بني آدم: أنه الضلال، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ وهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنما هم في ظنون كاذبة وحسبان باطل [﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾][٤] فإن الخرص [٥] هو الحَزْر، ومنه خرص النخل: وهو حزر ما عليها من التمر، وذلك كله عن قدر الله ومشيئته ﴿هُوَ [٦] أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فييسره