الذين يضلون الناس، لا أن المراد منه] [١] شياطين الإِنس منهم، ولا شك أن هذا ظاهر من كلام عكرمة، وأما كلام السدي فليس مثله في هذا المعنى وهو محتمل، وقد روي ابن أبي حاتم (٢٠٥) نحو هذا عن ابن عباس من رواية الضحاك عنه قال: إن للجن [٢] شياطين يضلونهم مثل شياطين الإِنس يضلونهم. قال: فيلتقي شياطين الإِنس وشياطين الجن، فيقول هذا لهذا أضللَّه بكذا، أضللَّه بكذا، فهو قوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.
وعلى كل حال فالصحيح ما تقدم من حديث أبي ذر: أن للإِنس شياطين منهم، وشيطان [٣] كل شيء مارده، ولهذا جاء في صحيح مسلم (٢٠٦): عن أبي ذَر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الكلب الأسود شيطان". ومعناه - والله أعلم -: شيطان في الكلاب.
وقال ابن جريج: قال مجاهد في تفسير هذه الآية: كفار الجن شياطين يوحون إلى شياطين الإِنس كفار الإِنس زخرف القول غرورًا.
وروى ابن أبي حاتم (٢٠٧): عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنرلني، حتى كاد يتعاهد مبيتي بالليل، قال: فقال لي: [اخرج إلى الناس فحدثهم][٤]. قال: فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان؟ قال الله تعالى: ﴿بما [٥] أوحينا إليك هذا القرآن﴾، وقال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. قال: فهموا بي أن يأخذوني، فقلت لهم [٦]: ما لكم ذاك إني مفتيكم وضيفكم فتركوني.
وإنما عرَّض عكرمة بالمختار وهو ابن أبي عبيد قبحه الله، وكان يزعم أنه يأتيه الوحي، وقد كانت أخته صفية تحت عبد الله بن عمر وكانت من الصالحات، ولما أخبر عبد الله بن عمر أن المختار
(٢٠٥) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٧٩١)، وفي إسناده بشر بن عمارة ضعيف، وزاد نسبته السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٧٣) إلى أبي الشيخ. (٢٠٦) - صحيح مسلم، كتاب: الصلاة، باب: قدر ما يستر المصلي (٢٦٥) (٥١٠)، وكذا أخرجه أحمد (٥/ ١٤٩ ومواضع أخر)، وأبو داود (٧٠٢)، والترمذي (٣٣٨)، والنسائي (٢/ ٦٣، ٦٤)، وابن ماجه (٩٥٢، ٣٢١٠). (٢٠٧) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٧٨٩).