للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقال آخرون: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي: جميعها، وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له فى الدار [١] الآخرة.

وقال آخرون من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من هذه الآية: إنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وقال تعالى عن الكافرين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)[المطففين: ١٥].

قال الإِمام الشافعي: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه .

وأما السنة: فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة (١٧٣)، عن النبي : أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه، آمين.

وقيل: المراد بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي: العقول. رواه ابن أبي حاتم (١٧٤)، عن علي ابن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن أبي الحصين يحيى بن الحصين - قارئ أهل مكة - أنه قال ذلك، وهذا غريب جدًّا، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتقد أن الإِدراك في معنى الرؤية، والله أعلم.

وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك؛ فإن الإِدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإِدراك المنفي، ما هو؟ فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلا هو وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك وله المثل الأعلى.


(١٧٣) - يأتي تخريج حديث أبي سعيد وأبي هريرة وجرير عند تفسير الآية (رقم ٢٣/ من سورة القيامة)، وحديث صهيب يأتي تخرجه عند تفسير الآية (رقم ٢٦/ من سورة يونس)، وحديث أنس يأتى تخريجه عند تفسير (سورة الإسراء/ آية رقم ٧٩)، وأما حديث بلال فلم أهتد إليه وقد قالى اللالكائى في "شرح أصول الاعتقاد" (٣/ ٤٩٥): "تحصل في الباب ممن روى عن رسول الله من الصحابة حديث الرؤية ثلاث وعشرون نفسًا … " فذكرهم ليس فيهم بلال، وكذا لم يذكره الدارقطني في كتابه "الرؤية"، فالله أعلم.
(١٧٤) - ابن أبي حاتم فى تفسيره (٤/ ٧٧٣٩)، وكذا أخرجه اللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (٣/ رقم ٩٢٢) من طريق عبد الله بن محمد بن أبي الأسود قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، به. وزاد نسبته السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٦٩) إلى أبي الشيخ.