للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ أي: فاعل هذه الأشياء هو الله وحده لا شريك له ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل فتعبدون مع الله غيره.

وقوله: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ [١] اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ أي: خالق الضياء والظلام، كما قال في أول السورة: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ أي [٢]: فهو سبحانه يفلق ظلام [٣] الليل عن غرة الصباح، فيضئ [٤] الوجود ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بدآدئه [٥] وظلام رواقه، ويجئ النهار بضيائه [٦] وإشراقه، كقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، فبين تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة، الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه، فذكر أنه فالق الإِصباح، وقابل ذلك بقوله: ﴿وَجَعَلَ [٧] اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ أي: ساجيًا مظلمًا لتسكن [٨] فيه الأشياء، كما قال: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾، وقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، وقال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾.

وقال صهيب الرومي لامرأته وقد [٩] عاتبته في كثرة سهره: إن الله جعل الليل سكنًا إلا لصهيب، إن صهيبًا إذا ذكر الجنة طال شوقه، وإذا ذكر النار طار [١٠] نومه. رواه ابن أبي حاتم (١٦٢).

وقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ أي: يجريان بحساب مقنن مقدر لا يتغير و [١١] لا يضطرب، بل كل منهما له منازل يسلكها في الصيف والشتاء، فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولًا وقصرًا، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ [لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ] [١٢]﴾ الآية، وكما قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ [١٣] وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)[يس: ٤٠]، وقال: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾.

وقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي: الجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانَع ولا


(١٦٢) - ابن أبي حاتم في ئفسيره (٤/ ٧٦٧٦) وفي سنده انقطاع.