للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقوله: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ ذكر أصولهم وفروعهم، وذوي طبقتهم، وأن الهداية والاجتباء شملهم كدهم، ولهذا قال: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: إنما حصل لهم ذلك بتوفيق الله لهم وهدايته إياهم ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تشديد لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآية، وهذا شرط والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)[الزخرف: ٨١]، وكقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)[الأنبياء: ١٧]، وكقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)[الزمر: ٤].

وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ أي: أنعمنا عليهم بذلك؛ رحمة للعباد بهم، ولطفًا منا بالخليقة ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا﴾ أي: بالنبوة، ويحتمل أن يكون الضمير عائدًا على هذه الأشياء الثلاثة: الكتاب، والحكم، والنبوة.

وقوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أهل مكة، قاله ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والضحاك، وقتادة، والسدي، [وغير واحد] [١]، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ أي: إن يكفر بهذه النعم من كفر بها من قريش، وغيرهم من سائر أهل الأرض: من عرب وعجم، ومليين وكتابيين ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾، يعنى [٢]: المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ أي: لا يجحدون منها شيئًا، ولا يردون منها حرفًا واحدًا، بل يؤمنون بجميعها: محكمها ومتشابهها، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه وإحسانه.

ثم قال تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا : ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: الأنبياء المذكورين، مع من أضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان: وهم الأشباه ﴿الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أي: هم أهل الهداية لا غيرهم ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ أي: اقتد واتبع، وإذا كان هذا أمرًا للرسول فأمته تبع له فيما يشرعه ويأمرهم به.

قال البخاري (١٥٦) عند هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، أن ابن جريج


(١٥٦) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿أَولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ حديث رقم (٤٦٣٢).