قال ابن عباس وغير واحد: أي: لكل نبأ حقيقة. أي: لكل خبر وقوع ولو بعد حين، كما قال: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ وقال: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾.
وهذا تهديد ووعيد أكيد، ولهذا قال بعده: ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله [١]: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ أي: بالتكذيب والاستهزاء ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي: حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ والمراد بذلك كل فرد من آحاد الأمة: أن لا يجلس [٢] مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله، ويضعونها على غير موضعها [٣]، فإن جلس أحد معهم [٤] ناسيًا ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ [بعد التذكر][٥] ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
ولهذا ورد في الحديث:"رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"(١٢٥).
وقال السدي: عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ قال: إن نسيت فذكرت فلا تجلس معهم. وكذا قال مقاتل بن حيان [٦].
وهذه الآية هي المشار إليها في قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ الآية، أي: إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك، فقد ساويتموهم في الذي هم فيه.
وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: إذا تجنبوهم فلم يجلسوا
(١٢٥) - قال الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ٦٤): "هذا لا يوجد بهذا اللفظ، وإن كان الفقهاء كلهم لا يذكرونه إلا بهذا اللفظ وأقرب ما وجدناه بلفظ "رفع الله عن هذه الأمة ثلاثًا" رواه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٥٧٣) من حديث أبي بكرة" قلت: ورواه أيضًا أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (١/ ٩٠ - ٩١) وفي إسناده جعفر بن جسر قال ابن عدي: "عامة ما يرويه منكر" وأبوه جسر بن فرقد متكلم فيه. وقال ابن حجر في "فتح الباري" (٥/ ١٦١) "أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥) من حديث ابن عباس إلا أنه بلفظ "وضع" بدل "رفع" وأخرجه الفضل بن جعفر التيمي في "فوائده" بالإسناد الذي أخرجه به ابن ماجه بلفظ "رفع" ورجاله ثقات إلا أنه أعل بعلة غير قادحة فإنه من رواية الوليد عن الأوزاعي عن عطاء عنه وقد رواه بشر بن بكر عن الأوزاعي فزاد "عبيد بن عمير" بين عطاء وابن عباس … "، ويأتي تخريج بعض طرقه (٢٢٤: ٢٢٨).