وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا؛ لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق؛ لبعده ممن يغيثه ويعينه.
وأما قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية، قال [ابن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية][١]: من شهر السلاح في قبة الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظفر به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار؛ إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله (٣٩٩).
وكذا قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وروى ذلك كله أبو جعفر ابن جرير (٤٠٠)، وحُكي مثله عن [مالك بن][٢] أنس ﵀ ومستند هذا القول: أن [٣] ظاهر "أو" للتخيير، كما في نظائر ذلك من القرآن؛ كقوله في جزاء الصيد: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، وكقوله في كفارة الترفه [٤]: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، وكقوله في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ هذه كلها على التخيير، فكذلك فلتكن هذه الآية. وقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال، كما قال أبو عبد الله الشافعي (٤٠١): أنبأنا إبراهيم هو ابن أبى يحيى، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال: قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال: قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا: قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال: نفوا من الأرض.
وقد رواه ابن أبي شيبة: عن عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن عطية، عن ابن
(٣٩٩) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٦٣) (١١٨٥٠)، وأبو جعفر النحاس في ناسخه (ص ٣٩٢)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٩٣) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم. (٤٠٠) - انظر تفسير الطبري (١٠/ ٢٦٢، ٢٦٣). (٤٠١) - رواه الشافعي في مسنده (٢/ ١٧٣) (٢٨٢ - شفاء العي) ومن طريقه البيهقي (٨/ ٢٨٣) وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك، ورواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٥٧) (١١٨٢٩) والبيهقي من طريق العوفي عن ابن عباس، وإسناده ضعيف أيضًا.