فقال [١] بعضهم [٢]: [هو منسوخ بهذه الآية][٣]، وزعموا أن فيها عتابًا للنبي ﷺ كما في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾. ومنهم من قال: هو منسوخ بنهي النبي ﷺ عن المثلة. وهذا القول فيه نظر، ثم قائله [٤] مطالب ببيان تأخر الناسخ الذي ادعاه عن المنسوخ. وقال بعضهم: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، قاله محمد بن سيرين، [وفي هذا][٥] نظر؛ فإن قصتهم متأخرة. وفي رواية جرير بن عبد الله (٣٩٦) لقصتهم ما يدل على تأخرها، فإنه أسلم بعد نزول المائدة. ومنهم من قال: لم يسمل النبي ﷺ أعينهم، وإنما عزم على ذلك، حتى نزل القرآن فبين حكم المحاربين، وهذا القول [٦] أيضًا فيه نظر، فإنه قد تقدم في الحديث المتفق عليه أنه سمل، وفي رواية: سمر أعينهم (٣٩٧).
وقال ابن جرير (٣٩٨): حدثنا على بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم قال: ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل النبي صلى الله عليه وسليم أعينهم، وتركه حسمهم حتى ماتوا، فقال [٧]: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ معاتبة في ذلك، وعلّمه عقوبة مثلهم من القتل والقطع والنفي، ولم يسمل بعدهم غيرهم. قال: وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو - يعني الأوزاعي - فأنكر أن يكون نزلت معاتبة، وقال: بل كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، ورفع عنهم السمل.
ثم قد احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء، في ذهابهم إلى أن المحاربة في الأمصار وفي السبلان على السواء، لقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ وهذا مذهب مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل، فيخدعه حتى يدخله بيتًا، فيقتله ويأخذ ما معه: إن هذه [٨] محاربة، ودمه إلى السلطان، لا إلى ولي المقتول، ولا اعتبار بعفوه عنه في إنفاذ القتل.
(٣٩٦) - تقدم تخريجه برقم (٤٠١). (٣٩٧) - يريد المصنف ﵀ حديث أنس بن مالك المتقدم برقم (٣٩١) وما بعده. (٣٩٨) - رواه في تفسيره (١٠/ ٢٥٣) (١١٨١٨)