للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

عقب [١] ذلك بفاء التعقيب، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.

وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ هذا تفسير للإِجابة، أي: قال لهم مخبرًا [٢] أنَّه لا يضيع عمل عامل منكم لديه، بل يوفى كل عامل بقسط عمله من ذكر أو أنثى.

وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: جميعكم في ثوابي سواء ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ أي: تركوا دار الشرك، وأتوا إلى دار الإيمان، وفارقوا الأحباب والإخوان والخلان والجيران، ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ أي: ضايقهم المشركون بالأذى، حتَّى أَلجئوهم إلى الخروج من بين أظهرهم، ولهذا قال: ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾، أي: إنما كان ذنبهم إلى الناس؛ أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.

وقوله تعالى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله، فيُعقر جوَاده، ويعفرَّ وجهه بدمه وترابه، وقد ثبت في الصحيحين (٥٧١) أن رجلًا قال: يا رسول الله: أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؟ قال: "نعم" ثم قال: "كيف قلت؟ "، فأعاد عليه ما قال: فقال: "نعم، إلَّا الدين [٣] قاله لي جبريل آنفًا".

ولهذا قال تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

وقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافه إليه، ونسبه إليه ليدل على أنَّه عظيم، لأن العظيم الكريم لا يعطي إلَّا جزيلًا كثيرًا [٤]، كما قال الشاعر:


(٥٧١) - أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلَّا الدين (١١٧، ١١٨) (١٨٨٥) وكذا أخرجه أحمد (٥/ ٢٩٧، ٣٠٣، ٣٠٨) والترمذي، كتاب الجهاد، باب ما جاء فيمن يستشهد وعليه دين (١٧١٢) والنسائي، كتاب الجهاد، باب من قاتل في سبيل الله تعالى وعليه دين (٦/ ٣٤، ٣٥) من حديث أَبي قَتَادة الأنصاري.