قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ أي: في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء ﴿وَفَضْلًا﴾ أي [١]: في مقابلة ما خوّفكم الشيطان من الفقر ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عبَّاس: يعني المعرفة بالقرآن؛ ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدّمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله.
وروى جويبر، عن الضحاك، عن ابن عبَّاس، مرفوعًا:"الحكمة القرآن"(١٦٣٦). يعني: تفسيره. قال ابن عبَّاس فإنه قد [٢] قرأه البر والفاجر. رواه ابن مَرْدُويه.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يعني بالحكمة: الإِصابة في القول.
وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ ليست بالنبوَّة، ولكنه العلم، والفقة، والقرآن. وقال أَبو العالية: الحكمة خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة.
وقد رواه [٣] ابن مردويه من طريق بقية عن عثمان بن زفر الجهني، عن أبي عمار الأسدي، عن ابن مسعود، مرفوعًا:"رأس الحكمة مخافه الله"(١٦٣٧).
وقال أبو العالية في رواية عنه: الحكمة الكتاب والفهم. وقال إبراهيم النخعي: الحكمة الفهم. وقال أبو مالك: الحكمة السنة. وقال ابن وَهْب عن مالك، قال زيد بن أسلم: الحكمة العقل. قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقة في دين الله، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلًا في أمر الدنيا ذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفًا في أمر دنياه عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به و [٤] يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة الفقة في دين الله. وقال السدي: الحكمة النبوة.
والصحيح أن الحكمة -كما قاله الجمهور- لا تختص بالنبوّة، بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع، كما جاء في بعض
(١٦٣٦) - عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٦٦) لابن مردويه في تفسيره وإسناده ضعيف جدًّا. (١٦٣٧) - ورواه البيهقي وضعفه في شعب الإيمان برقم (٧٤٤) من طريق محمد بن مصفى، عن بقية، به، ورواه البيهقي أيضًا من وجه آخر موقوفًا على ابن مسعود.