ثم قال تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدحة [١] الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة؛ ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى، وابتغاء مرضاته، وجزيل ثوابه؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
ثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي بإنفاقه -قال الضحاك: والذي يتبع نفقته منًّا أو أذى- فقال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ وهو جمع صفوانة، فمنهم [٢] من يقول: الصفوان يستعمل مفردًا أيضًا، وهو الصفا، وهو الصخر الأملس ﴿عَلَيهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ وهو [٣]: المطر الشديد ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أي: فترك الوابلُ [٤] ذلك الصفوان صلدًا، أي: أملس يابسًا، أي: لا شيء عليه من ذلك التراب، بل قد ذهب كله، أي: وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله، وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس، كالتراب؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
وهذا مثل المؤمنين المنفقين أموالهم ابتغاء مرضات [٥] الله عنهم في ذلك ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: وهم متحققون ومتثبتون [٦] أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء. ونظير هذا في المعنى قوله ﵇ في الحديث الصحيح [٧] المتفق على صحته: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا … " أي: يؤمن أن الله شرعه، ويحتسب عند الله ثوابه.
قال الشعبي: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: تصديقًا ويقينًا [٨]. وكذا قال قتادة وأبو صالح وابن زيد، واختاره ابن جرير. وقال مجاهد، والحسن: أي يتثبتون أين يضعون صدقاتهم.
وقوله: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ أي: كمثل بستان بربوة. وهو عند الجمهور: المكان المرتفع
[١]- في ت: "مدح". [٢]- في ز، خ: "ومنهم". [٣]- في خ: "هو". [٤]- في ز: "اليابل"، في خ: "البابل". [٥]- في ز: "مراضى". [٦]- في ز، خ: "مثبتون". [٧]- سقط من: ز، خ. [٨]- في خ: "تيقينًا".