فهاجر إلى المدينة، وهذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ مدنية بلا خلاف، فقال قائلون: إنما أراد زيد بن أرقم- بقوله [١]: كان الرجل يكلم أخاه في حاجته في الصلاة- الإِخبار عن [جنس الناس][٢]، واستدل على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه [٣] منها، والله أعلم.
وقال [٤] آخرون: إنما أراد أن ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها، ويكون ذلك قد أبيح مرتين وحرم مرتين، كما اختار ذلك قوم من أصحابنا وغيرهم، والأول أظهر، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو يعلى (١٥٢٧): حدثنا بشر بن الوليد، حدثنا إسحاق [بن يحيى][٥]، عن المسيب، عن ابن مسعود قال: كنا نسلم [٦] بعضنا علي بعض في الصلاة، فمررت برسول الله ﷺ فسلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في نفسي أنه نزل فيَّ شيء، فلما قضي النبي ﷺ صلاته قال:"وعليك السلام أيها المسلم ورحمة الله، إن الله ﷿ يحدث من [٧] أمره ما يشاء، فإذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تكلموا".
وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ لما أمر تعالى عباده بالمحافظة علي الصلوات، والقيام بحدودها، وشدد الأمر بتاكيدها ذكر الحال التي [٨] يشتغل الشخص فيها عن أدائها علي الوجه الأكمل، وهي حال القتال والتحام الحرب فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي: فصلوا علي أي حال كان رجالا أو ركبانا، يعني: مستقبلي القبلة وغير مستقبلهما، كما قال مالك (١٥٢٨): عن نافع: أن [٩] ابن عمر كان إذا سُئل عن صلاة الخوف وَصَفَهَا، ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا علي أقدامهم، أو ركبانا؛ مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. قال نافع: لا أري ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ. ورواه البخاري، وهذا لفظه ومسلم. ورواه البخاري أيضًا [١٠] من وجه آخر، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة،
(١٥٢٧) - ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٣٧) من طريق عاصم عن المسيب عن ابن مسعود به نحوه. (١٥٢٨) - الموطأ (١/ ١٨٤) ومن طريقه البخاري حديث (٤٥٣٥). وطرفه حديث (٩٤٣). ورواه مسلم حديث (٨٣٩).