وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري والحسن بن صالح بن حيي: تعتد بثلاث حِيَض، وهو قول علي، وابن مسعود، وعطاء، وإبراهيم النخعي، وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه: عدتها حيضة، وبه يقول ابن عمر والشعبي، ومكحول والليث، وأبو عبيد، وأبو ثور، والجمهور.
قال الليث: ولو مات وهي حائض أجزأتها. وقال مالك: فلو كانت ممن لا تحيض فثلاثة أشهر. وقال الشافعي والجمهور: شهر، وثلاثةٌ أحبُّ إلي. والله أعلم.
وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يستفاد من هذا وجوب الإِحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها لما ثبت في الصحيحين من غير وجه (١٤٦١) أعن أم حبيبة، وزينب بنت جحش، أمي المؤمنين] [١]، من رسول الله ﷺ قال:"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا". وفي الصحيحين أيضًا عن أم سلمة (١٤٦٢)، أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال:"لا"، كل ذلك يقول:"لا"، مرتين أو ثلاثا - ثم قال:"إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية يمكث سنة"، قالت زينب بنت أم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حِفْشًا (*)، ولبست شر [٢] ثيابها، ولم تمس طيبًا ولا شيئًا حتى تمر بها سنة، ثم تخرج فتُعطى بعرة فترمي بها، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض له، فقلما تفتض بشيء إلا مات.
ومن هاهنا ذهب كثيرون [٣] من العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة للآية التي بعدها، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية، كما قاله ابن عباس وغيره، وفي هذا نظر كما سيأتي تقريره.
والغرض أن الإِحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطب، ولبس ما يدعوها إلى الأزواج، من
(١٤٦١) - صحيح البخاري، كتاب الطلاق، حديث (٥٣٣٧)، وصحيح مسلم، كتاب الطلاق حديث (١٤٨٦) من حديث زينب بنت جحش ﵂، وصحيح البخاري، كتاب الطلاق برقم (٥٣٣٤)، وصحيح مسلم برقم (١٤٨٦) من حديث أم حبيبة ﵂. (١٤٦٢) - صحيح البخاري، كتاب الطلاق رقم (٥٣٣٦)، وصحيح مسلم، كتاب الطلاق رقم (١٤٨٨). (*) - أي بيتًا صغيرًا حقيرًا قريب السقف.