فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح؟! والله ما أنت بناكح حتَّى يمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعتُ عليَّ ثيابِي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حَلَلتُ حين وضعتُ حملي [١]، وأمرني بالتزويج إن بدا لي.
قال أَبو عمر بن عبد البر: وقد روي أن ابن عبَّاس رجع إلى حديث سُبَيعة، يعني: لما احْتُجَّ عليه به. قال: ويصحح ذلك عنه أن أصحابه أفتوا بحديث سبيعة، كما هو قول أهل العلم قاطبة.
وكذلك يُستثنى من ذلك الزوجة إذا كانت أَمَةً، فإن عدتها على النصف من عدة الحرة، [شهران وخمس ليال، على قول الجمهور، لأنها لما كانت على النصف من الحرة][٢] في الحد، فكذلك فلتكن على النصف منها [٣] في العدّة.
ومن العلماء - كمحمد بن سيرين وبعض الظاهرية - من يسوي بين الزوجات الحرائر والإِماء في هذا المقام؛ لعموم الآية، ولأن العدة من باب الأمور الجِبِلِّيَّة التي تستوي فيها الخليقة.
وقد ذكر سعيد بن المسيب وأَبو العالية وغيرهما: أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، لاحتمال اشتمال الرحم على حمل، فإذا انتظر به هذه المدة ظهر إن كان موجودًا، كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما (١٤٥٩): " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا [٤]، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملكُ فينفخ فيه الروح"، فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه، والله أعلم.
قال سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة: سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشرة؟ قال: فيه ينفخ الروح.
وقال الربيع بن أَنس: قلت لأبي العالية: لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟ قال: لأنه ينفخ فيه الروح.
(١٤٥٩) - صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق حديث (٣٢٠٨)، وأطرافه (٣٠٨٥، ٦١٠٥، ٦٩٠٠)، وصحيح مسلم، كتاب القدر حديث (٢٦٤٣). ورواه أَبو داود في القدر حديث (٤٧٨١)، والترمذي في القدر حديث (٢٠٦٣).