المسلك إلى أيام فرعون موسى، فإنّه عمّرها عدلا وسماحة، وتتابع الظّمأ ثلاث سنين في أيّامه فترك لأهل مصر خراج ثلاث سنين، وأنفق على نفسه ثم على عساكره (a) من خزائنه، ولمّا كان في السنة الرابعة أضعف الخراج، واستمرّ فاعتاض ما أنفق.
قال (b): وكتب عمر بن الخطّاب ﵁ إلى عمرو بن العاص ﵁: أن اسأل المقوقس عن مصر، من أين تأتي عمارتها وخرابها؟ فسأله عمرو، فقال له المقوقس:
عمارتها وخرابها من وجوه خمسة: أن يستخرج خراجها في إبّان واحد عند فراغ أهلها من زروعهم، ويرفع خراجها في إبّان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومهم، وتحفر في كلّ سنة خلجانها، وتسدّ ترعها وجسورها، ولا يقبل محل (c) أهلها، يريد البغي؛ فإذا فعل هذا فيها عمرت، وإن عمل فيها بخلافه خربت.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لمّا استبطا عمر بن الخطّاب ﵁ عمرو بن العاص ﵁ في الخراج، كتب إليه أن ابعث إليّ رجلا من أهل مصر. فبعث إليه رجلا قديما من القبط، فاستخبره عمر بن الخطّاب ﵁ عن/ مصر وخراجها قبل الإسلام، فقال: يا أمير المؤمنين، كان لا يؤخذ منها شيء إلاّ بعد عمارتها، وعاملك لا ينظر إلى العمارة، وإنّما يأخذ ما ظهر له كأنّه لا يريدها إلاّ لعام واحد؛ فعرف عمر ﵁ ما قال، وقبل من عمرو ما كان يعتذر به (١).
وقال عمرو بن العاص ﵁ للمقوقس: أنت وليت مصر، فبم تكون عمارتها؟ فقال: بخصال: أن تحفر (d) خلجانها، وتسدّ جسورها وترعها، ولا تأخذ (e) خراجها إلاّ من غلّتها، ولا تقبل مطل أهله، وتوفّي لهم بالشّروط، وتذر الأرزاق على العمّال لئلا يرتشوا، وترتفع عن أهله المعاون والهدايا ليكون قوّة لهم، فبذلك تعمر ويرجى خراجها.
ويقال إنّ ملوك مصر من القبط كانوا يقسمون الخراج أربعة أقسام: قسم لخاصّة الملك، وقسم لأرزاق الجند، وقسم لمصالح الأرض، وقسم يدّخر لحادثة تحدث فينفق فيها.
(a) بولاق: وعساكره. (b) ساقطة من بولاق. (c) بولاق: مطل. (d) بولاق: تحفروا. (e) بولاق: يؤخذ. (١) ابن عبد الحكم: فتوح مصر ١٦١.