وجه الاستدلال: أن الأحاديث تدل على مشروعية تغيير الشَّيْب، وعلى النهي عن الخِضاب بالسواد، ويُحمل على الكراهة للتنزيه (٢)، ولقرينة خضاب بعض الصحابة -رضي الله عنهم- بالسواد ولم يُنكر عليهم، فدل ذلك على أنهم فهموا أن النهي ليس للتحريم.
الدليل الثالث: عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:((يكونُ قَوْمٌ يخضِبُونَ في آخِرِ الزَّمانِ بالسَّواد كحَواصِلِ الحَمَامِ، لا يَرِيحُون رائِحةَ الجنَّة)) (٣).
وجه الاستدلال: أن الحديث يدل على أن من صفة أهل النار أنهم يخضِبون بالسواد، فيُكره ذلك؛ لكراهة التشبه بأهل النار (٤).
نُوقش من وجهين: الأول: أن الحديث ضعيف؛ لأن في سنده عبد الكريم بن أَبِي المُخَارِق (٥)(٦).
وأُجيب عنه: أن الصواب أنه عبد الكريم بن مالك الجزري (٧)، وهو ثقة.
الثاني: بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخِضاب بالسواد، بل فيه الإخبار بصفة
(١) أخرجه أحمد (٢١/ ٢١٠) برقم: (١٣٥٨٨). صححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (٢/ ٧٦٧). (٢) يُنظر: المجموع (١/ ٢٩٤)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٨٠). (٣) أخرجه أبو داود، كتاب الترجل، باب ما جاء في خِضاب السواد (٦/ ٢٧٢) برقم: (٤٢١٢)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الزينة، النهي عن الخِضاب بالسواد (٨/ ١٣٨) برقم: (٥٠٧٥)، وأحمد (٤/ ٢٧٦) برقم: (٢٤٧٠)، قال الحافظ المنذري في (الترغيب والترهيب) (٣/ ٨٦): «رووه كلهم من رواية عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم، فذهب بعضهم إلى أن عبد الكريم هذا هو ابن أبي المخارق وضعف الحديث بسببه، والصواب: أنه عبد الكريم بن مالك الجزري، وهو ثقة، احتج به الشيخان وغيرهما، والله أعلم»، وقوّى إسناده ابن حجر في (فتح الباري) (٦/ ٤٩٩)، وصححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (٢/ ١٣٥٥). (٤) يُنظر: المفهم (٥/ ٤١٩). (٥) هو: عبد الكريم بنُ أَبِي المُخَارِقِ، واسم أبيه: قيس، كنيته: أبو أمية، تابعي، نزل مكة، روى عن: أنس بن مالك، وعمرو بن سعيد بن العاص، وطاوس وغيرهم، قال عنه النسائي والدارقطني: متروك، وقال ابن عبد البر: لا يختلفون في ضعفه، تُوفي سنة ١٢٧ هـ. يُنظر: ميزان الاعتدال (٢/ ٦٤٦)، تهذيب التهذيب (٦/ ٣٧٦). (٦) يُنظر: الموضوعات، لابن الجوزي (٣/ ٥٥). (٧) هو: عبد الكريم بن مالك الجزري، كنيته: أبو سعيد، روى عن عطاء وعكرمة وسعيد بن المسيب، وهو من العلماء الثقات في زمن التابعين، وَثَّقه جمعٌ كثيرٌ من العلماء، منهم: أحمد، ويحي بن معين، وأبو زرعة، تُوفي سنة ١٢٧ هـ. يُنظر: تهذيب الكمال (١٨/ ٢٥٢)، تهذيب التهذيب (٦/ ٣٧٣).