وقد قال البيهقي بعد روايته هذه الأحاديث في كتابه "دلائل النبوة":
"وكيف لا يكون أبواه وجده ﵊ بهذه الصفة في الآخرة وقد كانوا يعبدون الوثن، حتى ماتوا ولم يدينوا بدين عيسى ابن مريم ﵇، وكفرهم لا يقدح في نسبه ﵊(١)؛ لأن أنكحة الكفار صحيحة، ألا تراهم يسلمون مع زوجاتهم؛ فلا يلزمهم تجديد العقد ولا مفارقتهن، إذ كان مثله يجوز في الإسلام. وباللَّه التوفيق".
قلت: وإخباره ﷺ عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار؛ لا ينافي الحديث الوارد من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة؛ كما بسطناه سندًا ومتنًا في "تفسيرنا" عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. فيكون منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب، فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب، فلا منافاة (٢)، وللَّه الحمد والمنة.
(١) قلت: كما لا يقدح فيه أنه ينتهي بلى إبراهيم ﵊، وقد كان أبوه مشركًا بنص القرآن: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾ [الأنعام: ٧٤]، ولذلك تبرأ منه، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة: ١١٣ و ١١٤]. (٢) قلت: وهذا جمع جيد جدًّا؛ لأنه وإن كان من الممكن افتراض أن بعض من كان في الجاهلية قد بلغته الدعية، وأقيمت عليه الحجة -على ما جرينا عليه في تعليقنا السابق، وعليه يدل كلام البيهقي الذي نقله المؤلف- فإن من الممكن أيضًا أن نفترض أن بعضهم لم تبلغه الدعوة، وحينئذٍ فأمامه الامتحان في عرصات القيامة، فمن نجح فقد نجا، وإلا فقد هلك، وعلى هذا النوع من الهالكين تحمل الأحاديث التي صرحت بعذاب بعض من مات في الجاهلية كما تقدم، واللَّه أعلم.