عاشق شفه التبريح، ووامق لم يشفه الصريح. أوثقه الحب في أساره، وأشرقه الدمع بإساره، يتمه حبّ لبنى، وهيمه هواها فما أغنى أَصَبَتْهُ حُسنا، وسبته بمحيا كالبدر أو أسنى، وهو من بني عامر (٢) في حسب قومه العديد، ونسب آبائه الفريد، وكانت لبنى ابنة عمه، ومنبت غمه، جلبت له حزنًا طويلًا، وجَنت له من روض حسنها مرعى وبيلا، تزوّج بها وهو بها كلف، وبحبّها شغف، ثم أدمن مجالستها، وأدام مؤانستها، وولع بتأمل محاسنها، وتنقل نظره في رؤية أحاسنها، حتى طبع هواها على قلبه، وطلع أنينه بما قطع من خِلْبه، وألف لأجلها ظل الخباء لا يفارقه، وأنكر فضل الحياء كأنه ما دبت بخده شقائقه، فعزّ هذا على أبيه وعزم عليه أن يطلقها وطالبه بطلاقها فأبى، وآلى أبوه إلا أن يذيقه مرارة فراقها على صبا، ثم لما رأى إصراره على حب لبنى، واستمراره على حاله المعنى، وأصحر أبوه وآلى ألا يستظل ببيت حتى يلقى حبلها على غاربها، ويلحق خطاها ببيت أقاربها، وكان أوان حرّ تلفح هواجره، وينفح بالسموم ناجره، فأقبل كهول الحي على قيس يلومونه على حقوق أبيه، ويخوفونه عقوق أمره في امرأة تُصبيه، ثم ما برحوا به حتى طلقها، فما انطلقت إلا هي ولبه، وفارقها إلا ومعها قلبه، ووجد بها وجدًا أقلق مضاجعه، وقلقل في المآقي مدامعه، وزوجه أبوه بامرأة غيرها ليسلو لبنى، ويخلو معها أيامًا ينسى بها لياليه الحسنى، فما وقعت الثانية منه موقعًا، ولا وجدت في قلبه موضعًا، فبيت فراقها، وبت طلاقها. ثم الناس في قيس
(١) قيس بن ذريح بن سنة بن حذافة الكناني (ت - ٦٨ هـ): شاعر، من العشاق المتيمين. اشتهر بحب «لبنى» بنت الحباب الكعبية. وهو من شعراء العصر الأموي، ومن سكان المدينة. كان رضيعًا للحسين بن علي بن أبي طالب أرضعته أم قيس. وأخباره مع لبنى كثيرة جدًا، وشعره عالي الطبقة في التشبيب ووصف الشوق والحنين، بعضه مجموع في «ديوان - خ». مصادر ترجمته: الأغاني ٨: ١٠٧ - ١٢٨ وفوات الوفيات ٢: ١٣٤ والنجوم الزاهرة: ١: ١٨٢ وسمط اللآلي ٧١٠ والآمدي ١٢٠ والشعر والشعراء ٢٣٩ وتزيين الأسواق، طبعة بولاق ١: ٥٣ - ٦٢ وعصر المأمون ٢: ١٥٢ ورغبة الأمل ٥: ٢٤٢ والشعر والشعراء ٦٠ و Brock: ٣ (٤). ٨١. الموسوعة الموجزة ٢١/ ١٣٩. الاعلام ٥/ ٢٠٦. معجم الشعراء للجبوري ٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦. (٢) هذا سهو من المؤلف، فإن قيس هذا من بني كنانة، وقيس العامري هو ابن الملوح بن مزاحم العامري. وقد أورد له المؤلف ترجمة سابقة.