للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سنة خاض عبابها، وخالط بهرمه شبابها، وطوى مددها طي السجل، ولبس جددها لبس الشاب المدل، ولحق عبد الملك بن مروان ووفد عليه فقربه، وقلبه بنظره وأكثر تعجبه، وسأله عن عمره، ثم استنشده من شعره فقال: [من الوافر]

رَأَيْتُ المَرْءَ تأكلهُ الليالي … كَأَكْلِ الأَرْضِ سَاقِطَةَ الحَدِيدِ

ومَا تَبْغِي المَنِيَّةُ حِينَ تَأْتِي … عَلَى نَفْسِ ابْنِ آدَمَ مِنْ مَزيدِ

وأَعْلَمُ أنَّهَا سَتَكُرُّ حَتَّى … تُوَفِّي نَذْرَها بأَبي الوليدِ

فظن أنه أراده بقوله: توفي نذرها بأبي الوليد، لأن عبد الملك كان يكنى بها، فارتاع، وارتاب حتى كاد يكشف القناع، ففطن أرطأة لتغيره، وتغيظه لإفراط شكره، فقال: يا أمير المؤمنين إنما عنيت نفسي، فسكنت شقاشق عبد الملك وتغيظه، وسكت لزوال ما كان يحفظه، ومن شعر أرطأة يرثي ابنه (١): [من الطويل]

وَقَفْتُ عَلَى قَبْرِ أَبْنَ لَيْلَى وَلَمْ يَكُنْ … وُقُوفي عَلَيْهِ غَيْرَ مَبْكَى وَمَجْزَعِ

هَلْ أنتَ ابْنَ لَيْلَى إِنْ نَظَرْتُكَ رَائِحٌ … مَعَ الرَّكْبِ أو غادٍ غداةَ غَدٍ مَعِي (٢)

عن الدهر فاعتب إِنَّهُ غيرُ مُعْتِبٍ … وفي غير ما قد وارتِ الأرضُ فاطمعِ (٣)

ومن مختاره بيت لقائله به ذكر بين الأحياء وهو بيت طبقته رفيعة، ومرقاته منيعة، نشط له على حسن هرمه، وأسأله من بقية دمه، وهو (٤): [من الطويل]

فَقُلْتُ لَهَا يَا أُمَّ بَيْضَاءَ إِنَّهُ … هَرِيقُ شَبَابِي وأَسْتَشِنُّ أَدِيمي

ومنهم:

[٩٦] مُضَرِّس بن ربعي الأسدي (٥)

ضَرَسَ الفُحُولَ بأنياب لا تَكِل، وضَرَمَ النار على قلوب لمعارضته تشتعل بالغل،


(١) القطعة في حماسة أبي تمام ص ٢٥١ - ٢٥٢ في ٤ أبيات.
(٢) نظره وانتظره: بمعنى واحد.
(٣) غير معتب: أي غير مرض.
(٤) البيت في المرقصات ص ٣١.
(٥) مضرس بن ربعي بن لقيط الأسدي: شاعر حسن التشبيه والرصف أورد له البغدادي أبياتًا جيدة في وصف ليلة ويوم، ومقطوعة فيها حكمة. وقال: «هو شاعر جاهلي». واختار أبو تمام (في الحماسة) قطعتين من شعره. وروى له المرزباني عدة مقطوعات وقال: «له خبر مع الفرزدق» فإن صح هذا فلا يكون جاهليًا.
جمع شعره وحققه د. نوري حمودي القيسي ونشره في مجلة المجمع العلمي العراقي مج ٣٧ ج ١ في ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م، ص ٥٣ - ٩٠. =

<<  <  ج: ص:  >  >>