للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومنهم:

[١٠٤] أبو صخر الهذلي (١)

غزل لا يزال يلهو، وعَشّاق إلى كل غزال يصبو، وكلف يغرد كالحمامة، وتغريه الملامة، وتغره ظباء رامة، وتعروه نشوة كأنه أبدًا شارب مدامة، له وله بكل بارقة، وشره على كل عين مسارقة، وفي كل فلتة حبال عالقة، ومع كل لفتة إشارة بالحسرة ناطقة، لا يعرف سلوةً تحدث له إفاقة، ولا يملك جلدًا يخفف اشتياقه، ولا مهجة يمنعها عن الولوع عاقه، ولا ينزع إلى صبر يفك من قيد الغرام وثاقه. يسحره النسيم فيجن، ويسخر في تهتكه بذي العقل المرجحن استغوته اللحظات فغلبته على لبه، وأتاه الهوى يبغي نفوذًا إلى خلبه، فصادف من عينه طريقًا إلى قلبه. هام بالحسن المعناه، ورجم ما سواه فاستهواه. كل شخص في نظره محبوب والحب سطر على جبينه مكتوب، وإذا تاب الناس مما تاب، فإنه من التوبة يتوب شغف ولا شغف مجنون عامر بلل، وهاجته خطرات الوساوس كما هاجت الثريا سهيلا، ودعاه الوجد فلبي واستدعاه فأجاب وما تأبى، واسترسل في الأشجان كما استرسل مع مية غيلان، يبكي لكل مفارق ويهفو مع كل خافق، رقيق حواشي النسج، دقيق معاني النهج، تذوب نفسه في شعره، وتنوب نفسه عن العنبر وشجره، من سمع له كلامًا، علم منه غرامًا، في كل شطر من قوله أنّه، وفي كل بيت من أبياته لوعة مستكنة، شجت الخلي نفثاته، وهزت القلوب نزغاته، وهزأت بالحمائم نغماته، كما قال من أبيات رائقة السلسال (٢): [من الطويل]

وإِنِّي لَتَعْرُوني لِذِكْراكِ هِزَّة … كما أنْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القطر


(١) أبو صخر الهذلي: عبد الله بن سلمة السهمي، من بني هذيل بن مدركة (ت نحو ٨٠ هـ): شاعر، من الفصحاء. كان في العصر الأموري مواليًا لبني، مروان متعصبًا لهم، وله في عبد الملك وأخيه عبد العزيز مدائح، وكان قد حبسه عبد الله بن الزبير عامًا وأطلقه بشفاعة رجال من قريش.
ترجمته في:
شرح شواهد المغني ٦٢، الأغاني ط الدار ٥/ ١٨٥، ديوان الحماسة/ ١/ ١٢٧، سمط اللآلي ٣٩٩، خزانة البغدادي ١/ ٥٥٥، العيني ١/ ١٦٢، الأعلام ٤/ ٩٠، معجم الشعراء للجبوري ٣/ ٢٥٣.
(٢) القطعة في حماسة أبي تمام ص ٣٦٩ - ٣٧٠ في ٥ ابيات، ولم ترد فيها الأبيات ٢، ٧، ٨، ٩. القطعة في المرقصات ص ٣٧ - ٣٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>